هو شيخ العصبةِ الهاشميةِ والسدنةُ العلوية ، والساسةُ الحسنية الحسينية ، السيد الجيد الحسيب النسيب الشريف المحض ذاتاً وصفاتاً ، السيد / محمد أبو الفتوح العربى بن السيد على بن السيد سليمان الإدريسى الهاشمى المغربى المكى الفاسى الحسنىّ أباً ، الحسينى أماً ، الذي فيه مرج البحرين يلتقيان فيخرج من بينهما اللؤلؤ والمرجان عينُ الأعيان ، خَتم العارفين ، وعنقاء الأولياء والصديقين ، إمام الأئمة ، برزخ كل قمة ، الذي منه وازع كل همة ، الأبلم ، الأعتم ، الأكتم ، شيخ الأكابر الجوهريين ، قطب رحى القدسيين ، أستاذ النوادر ، وعروس مملكة الحظائر ، قبلة كل مالك ، وسائرٌ سالك ، برزخ أهل التمكين ، محراب كل فتى ، الذى بيته : هلْ أَتى ، الذي غاب عن الأينِ والبينِ والمتى ، الذي نَعْتُه حَـم ، وفى صدره جمع آلـم ، وخلوته تبارك ، المراد بقافٍ ودارك كهف أهل الرقيم ، مجلى بسم الله الرحمن الرحيم ، عالمٌ من عليم ، البادى الحادى فى زِىّ النبى ، القادم من عُمق أعماق الحضرة ، الشارقُ كأنه علىّ ، لِمَ لا وهو وريث الكردال ، وهلَّ فيه كل الحال ، الدلال صاحب أكمل الخلال ، وأسمى الخصال ، المتكئُ على أريكة العزيّة ، حَجَّابُ الحضرة العلية ، شامة البيت ، الزيّات وزجاجة الزيت ، الذي بَايَعَتْه الغارقات والمدبرات ، والسابقات ، والناشرات والسابحات ، وبيته لا تَهُدُّه الذاريات ، الذي عُجِنَتْ منه خمائر الذرات بكل ماء الآيات ، العبد الذاتى الذي هو إِيّاه الخليل البليل ، خطيب الصومعة دائم الآه سماءُ القباب ، ومحرابُ السلاسل والزهريات ، سائق الركاب .
*** نبذة فى عجالة عن مولده ونشأته إكليل السلالة ***

حملت به أمه السيدة زينب النجارية الشريفة المغربية في المحروسة فاس ،
وشاء الله تعالى أن آتاها الطلق ، وهي تتطوّف بالكعبة المشرفة ، فولدته في
مكة الكرمة ، أثناء أداء مناسك فريضة الحج ، فهو المكى مولدا ، المغربى
الفاسى نشأة وطفولة ، وهو من أعرق بيوتات السادة الأشراف في مدينة فاس ،
ويُدعي ببيت آل سالمين أو السالمينية الإدريسية ، ويقول شيخنا الإمام أبو
الفتوح العربى قدس الله سره في هذا الصدد : ( ومما مَنّ الله به علينا ،
أنّا من عائلة لا يستهان بخيالها ومن بيت إن لم يشفعوا فى الناس فلا شفاعة
لهم ، وربما تتوقف الشفاعة على الصبى فيهم ) .

وأمر رسول الله صلى
الله عليه وسلم مولانا الإمام العربى رضى الله عنه بالإتجاه إلى أرض
الكنانة _ مصر المحروسة _ والمُقام فيها وكان عمره _ آنذاك _ ثلاثة أعوام
وثمانى شهور ، وأيضا : أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أباه ، وكان من
كبار العارفين ، وكذا السيدة زينب أمه ، وكانت من أهل الديوان ، مجابة
الدعوة على دوام جا معية ، بأهل البرزخ ، وتتحدث معهم بلسان الملائكية ، أى
بالسريانية .

ويقول الأستاذ مولانا الإمام العربى قدس الله سره :
أمرنى سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بالسياحة على العارفين ووجهنى أن
ألزم ساحة سيدى عطية قائلا : ( يابنى عليك بالسيد عطية الغوث الولى فهو من
أبواب حضرتى ) فأقمت لديه إلى أن لاقى ربه تبارك وتعالي ، وأمرنى صلى الله
عليه وسلم أن أكمل سياحتى .

_ روى سيدى الحاج أحمد أبو الحسن رضى الله عنه عن شيخه قائلا :

قال لى الشيخ : فى سياحتى ، توقفت في الجيزة ، وقلت فى نفسى : حسبى فى
سياحتى هذا الموضع ، فلا أتوغل في صعيد مصر ، فوقعت لى جامعية بسيد الوجود
صلى الله عليه وسلم في أفق أعلى مبين لما فوق الفوق فحدثت نفسى ( مولانا
الحاج أحمد ) قائلا : قد تكون رؤيا منامية لخير البرية ، فالتفت الإمام
العربى قدس الله سره إلىّ وقال فى التوّ : أقول لك في أفقٍ أعلي مبين فيما
فوق الفوق في مقامٍ تسامى ، وتقول فى نفسك مناما ، بل في ذروة عالم الحس ،
وأنا في قمة الغيبة والإستغراق ، مع كمال اليقظة والحضور ، وترادف أنوار
الإشراق ، وتلك الجامعية كان فيها أهل الحضرة أجمعين من أنبياء ومرسلين ،
وأولياء وعارفين ، وحَسُن أولئك رفيقاً في طريقا ، من النشأة إلى الغاية
التى في غمض علمه تبارك وتعالى ، وعلى رأسهم الإمام على الكرار ، السيل
المدرار كرم الله وجهه ، والإمام أبو العباس الخضر ، وعانقنى الحبيب الأعظم
صلى الله عليه وسلم وقال لى : أَىْ بُنى : سِرْ سيجمعك الله بقوم يحبهم
الله ورسوله ويحبوا الله ورسوله ، ويحبوك هم ، وتحبهم أنت وهم قرة أعين لك ،
وستنزل بقوم ضعفاء الإرادة لا يضرونك بشئ ، فاتخِذْهم أهلا ، ثم عَمّمني
صلى الله عليه وسلم بعمامة الكرار ، وقلدنى بذى الفقار ، وعطرنى من قارورة
يحملها بيمينه الشريفة الندية ، وغمرنى بالأريج وأنفاسه الزكية ، حتى وقعت
في قلوب أهل الحضرة غبطة منى ، فعطرهم خير البرية ، بالبقية ، من القارورة
العطرية . إهـ .

وقال شيخنا مولانا الإمام العربى رضى الله عنه :
وفارقتنى أمي عند ضريح السيدة زينب رضى الله عنهما ، وانتقلت _ بعدئذ _ إلى
جوار ربها ، وانتقل أبى رحمه الله أيضا ، وليس لى غير ربى، والنبىُّ حِبّى
، ولم تَدَعُنى عنايته تبارك وتعالى وحيدا ، والذى يُحلَفُ به ، إحتضنتنى
السيدة فاطمة ، وكانت أمى بعد أمى ، بل لا أعرفُ لى أُماً سواها في
الحَضَرِ وفلاها ، وكانت تَصحَبُنى في سياحتى وتوجهنى ، وعَرَّفَتْنى بسائر
ذريتها _ تفضلا من الله لا وجوبا عليه _ بتشريف الطى لأهل الحى ، حتى أننا
مررنا على قريةٍ من القرى فأشارت رضى الله عنها إلى إمرأةٍ كفيفةُ البصر ،
وقالت لى : هذه بقية ذريتى فى هذا النجع .

وسأل سائل مولانا
الحاج أحمد رضوان رضى الله عنه عن شيخنا الإمام العربى رضى الله عنه فقال
له : إنه رجل حُبِبَتْ إليه الخلوة ، دائم الجامعية برسول الله صلى الله
عليه وسلم وأصحابه كشخصين فى فلا ، وقال له _ أيضا _ حينما كان عنده فى
الساحة الرضوانية ، وكان شيخنا غلاما صبيا _ آنذاك _ قال له : يا بُنى : لا
تجعل لك كيفا غير الله تعالي ، وأرى فيك _ إنشاء الله _ أنك من الصفوة
التى لا كيف لها غيره جل وعلا ، وأبى الله إلا أن تكون خيرة أخياره ، وسأل
السيد المستشار مصطفى حَمَدْ مولانا الحاج أحمد رضوان رضى الله عنه فى آخر
أيامه ، حينما أقعده كثافة غزارة البلاء الذي تَحَمّلَهُ عن أمة رسول الله
صلى الله عليه وسلم وقال له : يا مولانا : أعطاك الله العمر المديد ، إلى
من نتّجِه بعدك ، فالتفت الشيخ رحمه الله وقال له : إلى قرية نائية في جنوب
الصعيد تكون عاصمة المدائن والقرى ديناً وعرفاناً .

وأومأ الشيخ إلى النجع الذي به شيخنا مولانا الإمام العربى.

وسمعت مولانا الإمام العربى رحمه الله ونفعنا به في الدارين يقول : ومما
مَنّ الله به علينا ، لقد أرضعنى الحقُّ من ألبانه ، واجتبانى صدِّيقا ،
فأنا خيارٌ من خيارٍ من خيار .

وسمعت شيخنا مولانا الحاج أحمد بن
أبى الحسن نفعنا الله به _ ذات مرة _ يقول : حدثنى شيخى وأستاذى الإمام
العربى رضى الله عنه قال : ( ومِمّا مَنّ الله به علينا وأنا فى أثناء
سياحتى ، وكنت غلاماً _ ساعتئذ _ فاعْتَلَيْتُ قمة جبل سيدى برانى ومكثت
فوقه فى خلوةٌ بربى ، فمر بى رجل من أهل الله تعالى من أرباب التطور ، لم
أرأطول منه قامة ، فقلت له : في قامة عُوجْ بن عنق فقال رضي الله عنه يتطور
كما يشاء ، ولقد رأيت رأسه تثقب السحاب ، وينضج الطائر على وهج أشعة الشمس
، فقال لى : يا غلام ما الذي أبقاك ههنا ؟ قلت له على الفور : أبقانى الذى
أبقى الكليم ، فوق الطور يا عبد الكريم ، وهل النَجِىُّ أَوْلي بربه منى ،
كلا والنبىّ ، وفضلا من الله تعالى ورضا منه غزير ، وقع لى التجلى الذاتىّ
آنذاك ، وكان جبل سيدى برانى ، وادى طِوى لي .

وعكف سيخنا الإمام
العربى رضى الله عنه في خلوته إثنا عشر عاماً ، بأمر من رسول الله صلى
الله عليه وسلم ، ولم يخرج منها حتي أَذِن له جده ، ومصدر مده خير البرية
صلى الله عليه وسلم.

وهذا النمط من الصفوة النخبة من أهل الحضرة ،
ما كانت خلوتهم بالخلوة الإجتهادية ، ولا بالخلوة التعبدية ، ولا بالخلوة
الرياضية ، لقطع المراتب النفسية ، تطبُّبا للروح وعلاجا أو فِى المقامات
إيلاجا ، كلا بل خلوةُ تِلْكُم الصفوةِ من العباد الذاتيين أولئك الذين
أنفاسهم المدبرات أمرا وحالهم يُسيِّر قدرا ، من منطلق قول قائلهم :

دخلنا الخلاوى لِحَمْل البلاوى ** عن المسلمين نُحِلنا أجساما

وكان شيخنا الإمام العربى رضى الله عنه دائم الجامعية بخير البرية صلى
الله عليه وسلم ، وقد سأله سائل من زواره _ ذات مرة _ قائلا : أترى رسول
الله صلى الله عليه وسلم كثيرا يا مولانا فقال : ومما مَنّ الله به علينا ،
منذ ولدتنى أُمّى ، لم يَغِبْ عنى طرفة عين ، جدى _ سيد ولد عدنان ، حتى
تلك الساعة التى أنا فيها _ بين ظهرانيكم الآن .

ويقول مولانا
الحاج أحمد أبو الحسن رضى الله عنه حاكيا عن فضلِ شيخه عليه : ( والذى نحن
عليه الآن ، من فضلٍ كبير ، وفيضٌ من الله غزيرٌ غرير يعود إلي أستاذى
وشيخى ختم الصالحين زَكُّى الدين مولانا الإمام السيد محمد أبو الفتوح
العربى قدّس الله سره ، جئنا إلى ساحته وليس فينا ، فعدنا منه إلى أهلينا ،
وقد إمتلأتْ من عيون قلبه القدسى أوانينا ، وقد تغيرنا تغييراً جذرياً ،
وصفاءً نقياً ونلنا منه برقاً حِجازياً ، تالله كنتُ أبلم وعُميّا ،
وقدِمتُ إلى شيخى وأستاذى عربياً ، وليس في الجعبة شيّا ، فألبسنى من حلل
مَده زِيّا ، جئته وليس فى الجرابِ أيّما صواب ولم أُوفِ للنصاب ، فأدخلنى
القاعة ، وفى هنيهة لا فى ساعة ملأنى عبّا ، وتيمنى فى الحضرتين صباً .

وقد أنشأ مادحا لشيخه العبدُ الذاتىّ مُقِرا له بكمال الفضل عليه مرنّما فقال :

لولا المربى ما هُديت رشادا ** فهو الذى للمُكرمات أشادا

يا وارث القوقام أنت إمامنا ** خطاب جمع عمدة الآبادا

أنت الذى من غمض عمّا شارق ** فى فجر سبت قدت للأسادا

رفّال فى حلل الشموخ بكرسها ** شماس دير راقيا بالسادة

يا ساكناً في غمض خلوة غيبها ** من قبل كن قد قدت للآحادا